الشيخ الطبرسي

205

تفسير مجمع البيان

قال : لأي شئ أنت ؟ قال : للخراب . فعلم أنه سيموت ، فقال : اللهم عم على الجن موتي ، ليعلم الإنس أنهم لا يعلمون الغيب . وكان قد بقي من بنائه سنة ، وقال لأهله . لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه . ودخل محرابه ، وقام متكئا على عصاه ، فمات ، وبقي قائما سنة . وتم البناء . ثم سلط الله على منسأته الأرضة حتى أكلتها ، فخر ميتا ، فعرف الجن موته وكانوا يحسبونه حيا ، لما كانوا يشاهدون من طول قيامه قبل ذلك . وقيل : إن في إماتته قائما ، وبقائه كذلك ، أغراضا منها إتمام البناء . ومنها أن يعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب ، وأنهم في ادعاء ذلك كاذبون ومنها : أن يعلم أن من حضر أجله فلا يتأخر إذ لم يؤخر سليمان مع جلالته . وروي أنه أطلعه الله سبحانه على حضور وفاته ، فاغتسل ، وتحنط ، وتكفن ، والجن في عملهم . وروى أبو بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبة من قوارير ، فبينا هو قائم متكئ على عصاه في القبة ، ينظر إلى الجن كيف يعملون ، وهم ينظرون إليه ، ولا يصلون إليه ، إذا رجل معه في القبة ، فقال : من أنت ؟ فقال . أنا الذي لا أقبل الرشى ، ولا أهاب الملوك ! فقبضه وهو قائم متكئ على عصاه في القبة . قال : فمكثوا سنة يعملون له ، حتى بعث الله الأرضة ، فأكلت منسأته . وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : فكان آصف يدبر أمره حتى دبت الأرضة . ( فلما خر ) أي : سقط سليمان ميتا ( تبينت الجن ) أي : ظهرت الجن فانكشف للناس . ( أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) معناه : في الأعمال الشاقة . وإنما سماها عذابا ، للمشاق التي فيها ، لا أنه كان عذابا ، فليس ذلك إلا أن يكون عبادة له ، أو بمنزلة ما يعوضون عليه أي : ما عملوا مسخرين لسليمان وهو ميت ، وهم يظنون أنه حي . وقيل . إن المعنى تبينت عامة الجن وضعفتهم ، أن رؤساءهم لا يعلمون الغيب ، لأنهم كانوا يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب . وقيل : معناه تبينت الإنس أن الجن كانوا لا يعلمون الغيب ، فإنهم كانوا يوهمون الإنس إنا نعلم الغيب . وإنما قال : ( تبينت الجن ) كما يقول من يناظر غيره ، ويلزمه الحجة . هل تبين لك أنك على باطل . وعلى هذا تدل قراءة من قرأ ( تبينت الإنس ) وقد مضى بيانه .